عند الحديث عن جمع الاستثمارات، يتبادر إلى ذهن كثير من المؤسسين أن الطريق الوحيد يتمثل في جولات استثمارية تقليدية، أو في إجراءات طرح معقدة تتطلب متطلبات تنظيمية عالية وتكاليف كبيرة
هذه الفكرة ليست دقيقة دائماً
فمن خلال الاطلاع على قواعد طرح الأوراق المالية والالتزامات المستمرة، لفت انتباهي أحد أنواع الطرح المستثنى الذي أرى أنه لا يحظى بالاهتمام الكافي رغم أهميته العملية، خصوصاً للشركات الناشئة والشركات العاملة في قطاع التقنية المالية
تكمن أهمية هذا النوع من الطرح في أنه يتيح – ضمن ضوابط محددة – استقطاب مستثمرين للمشاركة في شركة مساهمة غير مدرجة دون الخضوع لبعض المتطلبات المرتبطة بالطرح العام
وتشمل هذه الضوابط – على سبيل المثال – ألا تتجاوز قيمة الاكتتاب الإجمالية عشرة ملايين ريال، وأن يكون الاكتتاب مقتصراً على عدد محدد من المستثمرين غير المؤهلين، مع وضع حد أعلى لمساهمة كل منهم، في حين لا تسري هذه الحدود على المستثمرين المؤهلين وفقاً للضوابط النظامية ذات العلاقة
ما يلفت الانتباه هنا ليس الجانب النظامي فقط، بل الأثر الاقتصادي والاستثماري لهذا التنظيم
فالكثير من المؤسسين يترددون في البحث عن مستثمرين أو عرض فرصهم الاستثمارية بسبب اعتقادهم أن الأنظمة لا تسمح بذلك أو أن الطريق التنظيمي معقد إلى درجة تجعل الفكرة غير قابلة للتطبيق
بينما الواقع أن المنظم سعى إلى إيجاد توازن بين حماية المستثمرين من جهة، وتمكين الشركات الناشئة والمنشآت الواعدة من الوصول إلى التمويل من جهة أخرى
وفي قطاع التقنية المالية تحديداً، تبرز أهمية هذه المسارات بشكل أكبر فالشركات التقنية المالية غالباً ما تمر بمراحل نمو متسارعة تتطلب تمويلاً مستمراً لتطوير المنتجات، والحصول على التراخيص، واستقطاب الكفاءات، والتوسع التشغيلي وفي هذه المراحل قد لا تكون الشركة مؤهلة بعد لخيارات تمويل أكبر أو أكثر تعقيداً، مما يجعل فهم البدائل النظامية المتاحة أمراً بالغ الأهمية
من وجهة نظري، لا تكمن المشكلة الرئيسية في نقص الفرص الاستثمارية، بقدر ما تكمن أحياناً في ضعف الوعي بالأدوات القانونية والتنظيمية التي تتيح الوصول إلى تلك الفرص
ولهذا فإن المؤسس الذي يفهم البيئة التنظيمية المحيطة بعمله لا ينظر إلى القانون باعتبار عائقاً للنمو، بل باعتباره إطاراً يساعده على النمو بطريقة أكثر استدامة واحترافية
كما أن فهم هذه الخيارات لا ينبغي أن يقتصر على الإدارات القانونية فقط، بل يجب أن يكون جزءاً من المعرفة الأساسية لدى المؤسسين وأعضاء مجالس الإدارة والمديرين التنفيذيين، لأن قرارات التمويل في نهاية المطاف ليست قرارات مالية فحسب، بل هي قرارات قانونية واستراتيجية في الوقت ذاته
وفي ظل التطور المتسارع لمنظومة الاستثمار وريادة الأعمال في المملكة، أعتقد أن زيادة الوعي بأدوات مثل الطرح المستثنى ستسهم في تمكين المزيد من الشركات الواعدة من الوصول إلى التمويل، وفي الوقت نفسه تعزيز الامتثال وحماية المستثمرين
فالفرص الاستثمارية لا تضيع دائماً بسبب غياب المستثمر
أحياناً تضيع بسبب غياب المعرفة بالطريق النظامي الذي يقود إليه
عبدالرحمن الهمزاني
محامي ومستشار قانوني
تمت كتابته في 18 ذو الحجة 1447هـ الموافق 05 يونيو 2026م – الرياض